الجمعة، 19 يونيو 2015

اكتفينا هواء رديئا!






عندما سيتوفى ادونيس -بعد عمر طويل- ويقال ان كتاباته واراءه السياسية والتاريخية مجرد سخافات لا اساس لها، سيظهر من يرد ان الرجل عَلَم من اعلام الثقافة العربية ولا يجوز تناوله بهذا الاسلوب. اذا، فلنقل كلمتين في حق هذا العلم قبل ان ينطوي ويتحول ايقونة مثل غيره ممن باتوا خارج التناول الصريح.

يكرر أدونيس في مقابلته الطويلة اليوم ذات الطروحات التي دأب عليها منذ وضعه مقدمة كتابه "الثابت والمتحول". لا شيء جديدا في المقابلة ولا في الاراء التي لا يمل من تكرارها. ولا قيمة معرفية لها في تشخيص الواقع العربي بعد اربعة اعوام ونيف من الزلازل والاعاصير.

 بالاضافة الى ذلك، كل ما قاله ان "اصل المشكلة" و"قراءة النصوص" والتأسيس العنفي للاسلام، لا يقنع أي مطلع على حد ادنى من التاريخ او الفكر العربيين- الاسلاميين. كلام يفتقر الى أي معرفة تاريخية –نقدية ويصح وصفه بالكلام الايديولوجي غير الموضوعي، لا في مجال تاريخ الاسلام ولا في مجال تطور فكره. احتاجاجته على الثورات و"تفاصيلها" يفضح المساحة الشاسعة التي تفصله عن الناس وشكواهم ومعاناتهم ومآسيهم.

يقول ادونيس ان مجتمع مكة مجتمع تجار والنبي والصحابة كانوا كذلك، أي ان ما يحركهم هو المال وسلطة وبالتالي تأسس الاسلام على العنف. في الواقع، لا اكثر جهلا من هذا الكلام. مجتمع التجار يكون على العكس تماما، مجتمع مستويات وصفقات وعلاقات عمل. اذ ان العنف "مضر بالاعمال" كما تقول الحكمة الرائجة...فكيف جرى الربط بين العنف والتجارة في مرحلة لم تكن تكونت فيها أي آلية رأسمالية سياسية؟ جلي تماما ان الرجل لا يستطيع ان يفرق هنا بين البيئة الضيقة المحيطة بالنبي المدنية –التجارية وبين البيئة القبلية الاوسع القائمة على علاقات الدم والنسب في شبه الجزيرة وطبيعة العلاقة المركبة بين البيئتين و"الثورة" التي قامت بها الاولى على الثانية....الخ

لكن الأهم من ذلك كله أن الرجل مفروض علينا كمثقف كبير ومرشح دائم لجائزة نوبل للاداب. لكن في كل مرة تصدف أن نقرأ شيئا له نصطدم بالضحالة ذاتها وبالشح ذاته في المعرفة والقدرة على الاستنتاج وربط الظواهر وتحليلها وتركيبها او تفكيكها.

سطحية مملة. وادعاء فارغ.  والأنكى ان الرجل، عندما لا يتبرع بتحليل الثورات العربية معتمدا على موقفه المعادي جذريا للشعوب العربية والمنحاز الى رؤية ثقافوية تافهة (للأسف ليس من عبارة ادق بعد انهار الدماء التي سالت)، يجد من يسأله رأيه في أمور لا قبل له بها او انه ادلى بدلوه في شأنها منذ عقود: العقل وتغيير المجتمع بتغيير ثقافته، والمشروع التغييري الشامل، غياب التظاهرات عن الثورات العربية. وأخيرا جاء بنظرية المرتزقة والتدخل الخارجي.

ولا نعرف متى سيقتنع السيد الشاعر ان تغيير المجتمعات لا يأتي بكتالوغات وكتيبات للتعليمات مثل التي نطلبها من بائع المفروشات والادوات الكهربائية. متى سيفهم ان الملايين من المتظاهرين العرب لم ينزلوا الى الشوارع لرغبتهم في التخريب بل تحديدا بسبب فقدان الامل بالتغيير الذي يوصي به هو ومن يشبهه من مسوقي الهواء ومسوفيه؟ متى يدرك ان ما جرى لا يمكن اعادته الى الوراء وان التجربتين التونسية والمصرية اللتين يشيد بهما لا تقلان فشلا عن تجارب ليبيا واليمن وسوريا وتنطويان على بذور الموت ذاتها؟

ركام الكلام الذي يقوله ادونيس منذ اعوام عديدة موجود ملخصه وفحواه في مقدمة "الثابت والمتحول". رؤية مسطحة الى التراث لا تلبث ان تبرز انحيازاتها الايديولوجية عند اول منعطف. وشخصيا لا تهمني الجهة التي ينحاز اليها الرجل ولا اسمها وهويتها وعقيدتها، ما يعنيني هو الشعور الدائم بالتعرض الى الكذب والخداع عند كل قراءة له.

لقد آن الاوان لرفض الاستغباء وتسميته باسمه حتى لو جاء من اشخاص مكرسين كمثقفين وهم ليسوا سوى اوهام مجسدة بأشخاص ووقت ضائع في الثقافة العربية. وما يدعو الى الملل ان كل فترة تشهد ظهور من يستغفل الناس ويستغبيهم ببيعهم هواء ساخنا لا يُصرف حتى في أردأ دكاكين الكلام الفارغ.

(خربشات)  

الأربعاء، 30 يوليو 2014

"داعش" والإسلام التاريخي


عندما يحيل اسلاميون وغير اسلاميين ما تقوم به داعش الى التجربة التاريخية الاسلامية ويمنحونها وغيرها من التنظيمات الجهادية فضيلة الاطلاع الافضل على القراءة التاريخية والتقيد بأحكام الاسلام التاريخي والسير على خطى السلف الصالح، يكون رافضو النهج التكفيري المغالي قد اغلقوا على انفسهم الفخ وباتوا مضطرين الى اللعب في الملعب الداعشي.

وأزعم ان الامر مقلوب. فالتجربة التاريخية ذاتها مشكوك فيها. والاحاديث التي تقيم التنظيمات الاسلامية قراءتها للتاريخ الاسلامي عليها موضع خلاف كبير حتى بين الفقهاء المسلمين. بل ثمة تيارات ترفض الاحاديث النبوية برمتها. وانتماء التنظيمات الجهادية عموما الى الفكر السلفي بصيغته الحنبلية، ينبغي ان يلفت الانتباه مباشرة الى موقف الفقه الحنبلي من الأحاديث.

وقد ذُكر ان الامام ابن حنبل كان يلم "بألف ألف حديث". مليون حديث نبوي كان ابن حنبل قد اطلع عليها وحفظها واقرها كلها. غني عن البيان أن القسم الاكبر من الاحاديث المذكورة موضوع في مراحل متأخرة من التاريخ الاسلامي خصوصا في العصر العباسي حيث استخدمت في السجال السياسي او الديني وحتى القبلي العشائري. وظهر من يضعها لاسباب مختلفة، من ابراز فضل بعض السور وأهمية تلاوتها الى الترويج لسلع وأغذية معينة. في الفقه الحنبلي ثمة تسامح مع هذه الاحاديث الموضوعة وأحاديث الاحاد والضعيفة والمتروكة. وعلى هذه الأسس يقيم الجهاديون "تجربتهم" التي يفترض بنا ان نقر انها اقرب الى الاسلام الأول. فهم يستفيدون من التلاعب بهذه الاحاديث وابراز بعضها والتكتم على الاخر بما يلائم مصالحهم الدنيوية والسياسية الآنية.

من جهة ثانية، تنطوي الاحاديث النبوية على كمية كبيرة من المشكلات. سأختصر الكلام عنها بالقول ان القسم الأكبر منها، حتى الذي يتفق المسلمون عليه باعتباره يشرح كيفية الصلاة واداء مناسك الحج والعبادات والزكاة وعادات الطهارة الخ... موضع شك في اصالته. الفرضية الاقرب الى السياق التاريخي هي ان وعيا جمعيا صاغ هذه الطقوس ومنحها الشرعية عبر نسبتها الى النبي محمد كأحاديث صحيحة ومتفق عليها. لقد سلكت النصوص الدينية الاسلامية ذات المسار الدائري المتسع الذي سبقتها اليه كل النصوص الدينية في العالم: نص الهي، يحتاج الى تفسير وتأويل، ترفده تفسيرات واحاديث ثم تفسيرات للتفسيرات وتأويلات للتأويلات في دائرة لا تتوقف عن الاتساع.

دعونا نذكر على المثال ان خلافا وقع في خصوص عدد الصلوات اليومية وهل هي ثلاث او خمس بسبب غموض النص القرآني وتفاصيلها ثم جرى الاتفاق على انها خمس. طيب. لكن كيف تؤدى؟ هنا تدخل الاحاديث مجددا ... كيفية وضع السنّة تحتاج بدورها الى بحث طويل.

الاحاديث والسنة وضعت على مدى مئات الاعوام. وليس هناك من يمتلك منهجا دقيقا للحكم على الاحاديث ويبين صحتها من عدمها. "علم الرجال" الذي وضع كطريقة لابعاد "الدجاجلة" (كما كان يسمي الامام مالك بعض واضعي كتب المغازي) عن المحدثين الثقاة لا يكفي للجز بصحة او زيف الاحاديث. ولا ان ينتقي من هؤلاء من وضع الاحاديث بحسن نية عن ذاك الذي اراد الترويج لفكرة او سلطة او حتى تجارة.

والآن تأتي القاعدة وداعش للقول انهما يطبقان "التجربة التاريخية" بحذافيرها. وتجدان من "العلمانيين" من يؤيدهما في ذلك. فيتحتم التساؤل عن اي تجربة تاريخية نتحدث؟ ربما الادق الحديث عن تجربة تاريخية متخيلة. بكلمات ثانية، انهم يقيمون تجربتهم التي يعتبرها البعض "الاقرب الى الحقيقة التاريخية" على احاديث وانباء وضعت بعد مئات الاعوام من الاحداث التي يقولون انها تنتسب اليها.

هذه ملاحظات سريعة في شأن الحديث. ربما نعود الى الشأن القرآني.

حسام عيتاني


الجمعة، 20 يونيو 2014

التكفيريون الذين صنعناهم

مجلة "بدايات"

حسام عيتاني


باتت دارجة نسبة جماعات مسلحة وسياسية الى "الفكر التكفيري" وسوق استنتاجات وخلاصات تقوم على الهوية الفكرية الحاملة للإقصاء الكامل للآخر وصولا الى الغائه الجسدي. ودخل المصطلح حيز التداول اليومي بين مُتّهِم وبين مُتَّهَم يسعى كل منهما الى تثبيت وصمة التكفير السوداء على خصمه.

يفترض من يلجأ الى الاستخدام الكثيف للمصطلح أنه يوجه ضربة قاضية الى الطرف الآخر الموسوم بضيقه بالاعتراف بالاختلاف والتنوع ضمن البيئة الاجتماعية الواحدة. وانه، هو الرافض للتكفير، رحب الصدر بكل تعدد في الهويات الدينية والثقافية.

لا مفر من التأكيد على ما يكاد يلامس البداهة: كل فكر ديني، بغض النظر عن اسم المذهب الذي يتبعه، يرتكز الى تكفير الآخر. مقولة "الفرقة الناجية" و"الجماعة المنصورة"، اكثر اتساعا وعمقا من ان ترتبط بمذهب واحد ناهيك عن دين من الاديان. والتكفير، في نهاية الحساب، يشكل الوجه الآخر للانتماء الى أي جماعة دينية او سياسية او "فوق-عرقية". ذلك أن الايمان نادر في عرف الجماعات القائمة على اللُحّمة الايديولوجية والدين أحد اشكالها، فيما الكفر وافر. يفضي البحث عن الطُهرانية والنقاء الديني والايديولوجي الى احتكار الايمان والتقوى والصواب السياسي والى جماعات مغلقة غالبا ما تتبنى ايديولوجيات ألفية (Millenarianism ) تنتشر على امتداد الطيفين الديني والسياسي. جماعات من أقصى اليمين الى أقصى اليسار لا تختلف كثيرا في منظوماتها القيمية وفي تأليهها لقادتها عن الطوائف الدينية. منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانية التي بدأت كيسار اسلامي متأثر بأفكار علي شريعتي لتنتهي طائفة "تقدس" مسعود ومريم رجوي، قد تكون من الامثلة الحديثة على المنحى المذكور.  

وفي واقعنا، كثيرا ما تجري استعادة الحروب الطائفية واسقاطها من التاريخ على الحاضر وتحميلها دلالات ليست لها. فإلى جانب المثال الشهير في الحروب الصليبية الذي تراجعت استخداماته بسبب تبدل سمات الصراعات الراهنة، تحضر حروب الردة واحداث الفتنة الكبرى ومعركة كربلاء نماذج على حوادث الحاضر بل كتفسيرات تلقى القبول لأحداث جارية يقال ان جذروها تضرب في صراع يزيد بن معاوية والحسين بن علي. وهناك من يستسهل التذكير بالحروب والمجازر المتبادلة بين السنة والشيعة في العصر العباسي (خصوصا في حقبة الدولة البويهية) وتنكيل الخلفاء بالشيعة بل وتسليم بغداد الى المغول من قبل الوزير ابن العلقمي، كعلامات على عداء جذري لا علاج له بين الطائفتين السنية والشيعية.

ولا يصعب العثور على "تأصيل" للعداء هذا في أدبيات قديمة وجديدة لأئمة وعلماء وفقهاء يتوزعون على جانبي الانقسام. ابن تيمية وابن القيم الجوزية والبربهاري من جهة والكليني والمجلسي والجزائري من الجهة المقابلة. نواصب يقاتلون روافض منذ فجر التاريخ وسيظلون على الحال هذه الى يوم الدين. هذا ما يُطلب من مواطني القرن الحادي والعشرين ان يصدقوا.

غني عن البيان ان المقاربة هذه تتجاهل الطبيعة العاصفة بالصراعات التي كانت عليها حقبات مديدة من التاريخ العربي –الاسلامي والتي لم تقتصر بحال على الاحتراب السني – الشيعي، إذ يحضر بقوة، في تاريخ تهمله الايديولوجيا القومية العربية، سلسلة لا تنتهي من الحروب الاهلية القبلية عمت كل الحقبتين الاموية والعباسية، بين تحالفات قبلية عربية صميمة وشديدة "الأصالة". يصعب العثور على الانقسام السني – الشيعي في حروب القيسيين واليمنيين وفي مئات المناوشات والاشتباكات والحروب الصغيرة والكبيرة التي عمت المنطقة العربية وكانت سابقة على الفتح العربي في القرن السابع الميلادي. يضاف الى ذلك أن النصوص المستخدمة في تكفير الآخر والتي تعود الى مئات الاعوام، تطفو الى سطح الخطاب الطائفي ثم تختفي وفقا للتوتر ولضرورات التوظيف السياسي وليس بوصفها حقائق "جوهرانية" من الايمان.

عليه، يتشارك كثر في تبني التكفير أداة في التعامل مع التعدد. وعقلية القلعة المحاصرة "الماسادا" وابتكار المزيد من التقاليد المحفزة لحمية الجماعة والقائلة بعصمتها واستثنائية زعامتها واعتبار قتال الشركاء في الوطن، بغض النظر عن اسم طائفتهم، اولوية تعلو مواجهة الاخطار الخارجية، ضروب من التكفير لا تخفى على عين يقظة. خصوصية التكفير السني تنبع من مكان آخر. من حقيقة انتشاره بين الأكثرية الطائفية والدينية في المشرق التي طالما نظرت الى نفسها باعتبارها حاضنة الاعتدال والوسطية والأهم بصفتها جسم الامة الذي يحتمل بل يرعى باقي المكونات. بغض النظر عن صحة وتماسك هذا التصور امام المساءلة التاريخية.

مهما يكن من أمر، ارتفع خطاب العداء السني- الشيعي في العقد الأول من القرن الحالي لأسباب لا علاقة لها بالشقاق الفقهي والمذهبي. وكان من السهولة بمكان العثور على الغطاء الايديولوجي الديني لصراعات سياسية حديثة سال الكثير من الحبر في تشخصيها ووصفها، مثل النهوض الايراني ومشروعه الامبراطوري ومشكلة الاقليات في المشرق العربي منذ نهاية الحرب العالمية الاولى وتقسيم ارث السلطنة العثمانية واخفاق مشاريع العروبة البعثية والناصرية والانظمة التقدمية  والرجعية سواء بسواء والتخبط في كل التصورات التي قامت لمواجهة اسرائيل واستعادة الحقوق الفلسطينية وغير ذلك من الاسباب. بكلمات ثانية، افلاس مشروع الدولة الوطنية العربية.

على مسرح يعمّه كل هذا الخراب، يظهر الاسلام التكفيري ممثلا نشيطا مؤديا دوره بقدر كبير من الاقناع. والمجتمعات العربية التي تجتاحها عولمة لا تني تدفعها الى هوامش الفعل والحضور العالمي وما يرافقهما من تقدم اجتماعي واقتصادي وعلمي، من جهة والفشل المدوي في الداخل من الجهة المقابلة، لا تجد أمامها إلا العودة الى الانتماءات الأولية القائمة على الهوية الدينية والقبلية. وليس غريبا أن تكون المناطق المهئة أكثر من غيرها لاستقبال الاسلام التكفيري هي ذاتها التي تشعر بالتهميش السياسي والاجتماعي. البوادي العراقية والسورية وعلاقة عشائرها (المتقلبة، لا بد من هذه الملاحظة) مع تنظيم "دولة الاسلام في العراق والشام" ("داعش") مثال ساطع على هذا اللقاء.

لا يهم كثيرا هنا ما يحمله الاسلام التكفيري من "عدة معرفية" اذا جاز استخدام هذا التعبير او ايديولوجية. فهي تقوم على سلّم من شُعبتين: التركيز على الهوية الجمعية المهددة من الخارج (الشيعي- المسيحي- المؤيد للحكم القائم...) والاعتقاد ان حروب الهويات مستمرة الى ما لا نهاية له ما يفسح في المجال امام استغلال مناخات الذعر والتشبث بمصادر الامان الاجتماعي النسبي (الطائفة، العائلة، المنطقة). الشُعبة الثانية هي الاعتقاد بقدرة القوة العارية على حكم المجتمعات المسلمة. تستعيد التنظيمات التكفيرية هنا نهج الأنظمة العربية مع دفعه الى حده الأقصى. ويمكن العثور على الكثير من المتوازيات بين التكفير الاسلامي بمعناه الرائج اليوم وبين ممارسات سلطات الاستبداد العربية من منع كل تعبير سياسي او ثقافي او اجتماعي لا يتوافق مع المنظومة الرسمية للقيم "الصائبة".

تجوز هنا استعادة بعض رسائل قادة "الدولة الاسلامية في العراق والشام" كأبي عمر وأبي بكر البغدادي التي يبرز فيها ما يصطلح على تسميته "فقه الغلبة" القائم على حق جماعة المؤمنين في فرض سلطانهم بالقوة. وبديهي ان هذا النوع من التفسير للنص الديني لا يعكس غير جانب ضيق من معنى الدين ويحيل الى الهاجس الحقيقي لانصار هذا النوع من التدين وهو الوصول بكافة السبل والوسائل الى السلطة.

وفي بعض المراسلات والنقاشات التي جرت بين الاسلاميين في سوريا خصوصا في العام الماضي، اشتكى اسلاميون كثر من استحالة النقاش مع عناصر "داعش" المسارعين الى تكفير خصومهم والى رميهم بتهم الزندقة والخيانة والانتماء الى "الصحوات" وما شاكل. تفحص النقاشات هذه والمستوى الفقهي الراقي الذي حاول بعض الاسلاميين السوريين اقناع "داعش" بخطأ ممارساتها الاستفزازية للسكان واباحتها للاعتداء عليهم وعلى املاكهم، لا يُظهر فقط ضحالة العدة النظرية عند التكفيريين فقط بل أيضا تلبسهم حالة سلطوية لا تقيم وزنا كبيرا لأصول الفقه وخصوصا فقه المعاملات، وللخلفية الاخلاقية التي يُفترض أن تسود التعامل بين المسلمين.

لا يعني ذلك بحال ان تنظيمات الاسلام السياسي الاقل تطرفا لا تولي السلطة اهتماما مركزيا في نشاطها. على العكس. فالسلطة هي ما يهمها في المقام الاول على ما بينت تجارب "الاخوان المسلمين" في مصر و"حركة النهضة" في تونس. لكن الفارق يتركز في الانتماء الاجتماعي الذي يأتي الناشط الاسلامي السياسي منه. قسوة التهميش والحرمان وانسداد افاق الترقي والتعبير والتغيير، ترفد كلها صفوف اسلاميين اصدروا حكمهم باعدام كل من يرون فيه سببا لمعاناتهم الفردية والجماعية.

تفتح هذه المناخات أبوابا واسعة أمام انواع شتى من التوظيف والاستغلال من قبل أجهزة وقوى تخترق التنظيمات التكفيرية وتتحكم بها بسهولة. ذلك أن اسلوب التزكية المشيخي (تزكية شيخين للعضو الجديد) المعتمد في الانتساب الى الجماعات التكفيرية المسلحة يساهم في جعل ابواب الجماعات مشرعة امام كا من هب ودب. ويجزم ناشطون سوريون، على سبيل المثال، ان تنظيم "داعش" تحركه اجهزة الاستخبارات السورية والايرانية. أدلتهم على ذلك تمتد من عدم مشاركة "داعش" في أي معركة ضد النظام الذي لم يبادر الى قصف مقرات التنظيم، وصولا الى اختطاف وتصفية ناشطين مشهود لهم بالاخلاص للثورة السورية.

لكن الأهم من هذا، سؤال عن قدرة تلك الجماعات على التكيّف والعمل في مجتمعات يُعتبر التعدد الديني والعرقي والسياسي والاجتماعي من أسس قيامها. بالاحرى، كيف لجماعات تقوم على التكفير ان تمارس السياسة بما هي ادارة للاختلاف والتنوع وحوار دائم وصراع غير مسلح في غالب الأحيان مع القوى الحاضرة في المشهد العام. فانهيار حكومات الطاغوت والسلطان الباغي، العدو الأول المُعلن لجماعات التكفير، لا ينهي المجتمعات التي تنشط فيها الجماعات تلك ولا يغير صفاتها ومكوناتها.

التجارب الحديثة تقول بما لا يدع مجالا للشك أن فقه الغلبة والشوكة، لا يترك مساحة لتعايش سلمي او تنافس سياسي بحده الأدنى. فالسلطة في عُرف الجماعات تلك تعني التحكم بكل مفاصل الحياة في البيئة التي تسيطر عليها. وقد لا يبدو ذلك شديد الصعوبة على قادة الجماعات في مناطق ينشغل اهلها بالحفاظ على حياتهم وعائلاتهم ورزقهم، كالمناطق الصحراوية في العراق والشام حيث تبدو العشائر صاحبة الدور الاجتماعي الأول، لكن الأمر يتحول الى صدام رأسي ما ان تتمدد الجماعات تلك الى نواح مركبة ومتنوعة.

عليه، تبدو ثمة هوة شاسعة بين ادعاءات التكفيريين (السنّة) بالعمل على اقامة الحكم العادل وبين قدراتهم الفعلية على البرّ بوعودهم. وبين مواقفهم من انظمة الاستبداد، وبين التعايش مع المجتمعات التي تتخلص من نير الطغيان. وبغض النظر عن التوظيف والاستغلال الامنيين للتكفيريين، يجدر النظر اليها بصفتها مرحلة متقدمة من ازمات المجتمعات العربية والاسلامية ونتائج للرضّات والصدمات التي تعرضت لها تلك المجتمعات أكثر من اعتبارها أخطارا هبطت من كوكب آخر.

حسام عيتاني

 



   

الخميس، 19 يونيو 2014

ثقافة إعادة تأسيس الأزمة

حسام عيتاني

موقع "24"




ثمة تيار عريض بين المثقفين العرب يدعو، في مواجهة خطوب الحاضر وأزماته، إلى عقلانية عربية تتأسس على تحديث وإحياء التراث الفكري العربي – الإسلامي بأدواته هو أولاً، وبالاستعانة بالمدارس الغربية ثانياً.

تزعم التيار هذا الكاتب الراحل محمد عابد الجابري الذي قدم عبر عدد كبير من المؤلفات أشهرها سلسلة "نقد العقل العربي" التي احتوت تشخيصاً لما رأى فيه الكاتب أزمة العقل والثقافة العربيين واقتراحاته للخروج منها بهدف الانخراط في عالم اليوم. وكُتب الكثير في الرد على الجابري ونقاشه ونقد طروحاته. لكن من الممكن في هذا المجال القول إن فكرة إحياء الثقافة ومن ثم الحضارة العربية اعتماداً على أدوات التراث العربي –الإسلامي، لم تختف برحيل الكاتب المغربي.

ونسجاً على منوال الجابري هناك من يكرر دعوته إلى الارتكاز إلى عقلانية ابن رشد وتاريخية ابن خلدون والتجديد الديني عند كل من الشاطبي وابن حزم. بل إن هناك من يرى في المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث موئلاً صالحاً لينهل منه العرب المعاصرون توليفة ثقافية حضارية قادرة على سحبهم من الاستنقاع الذي يقيمون فيه بعد فشل النهضة العربية التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر ووصولها، بجميع تجلياتها السياسية والاجتماعية، الى نهاياتها المأساوية منذ أكثر من أربعة عقود.

يتعين هنا تسجيل ملاحظتين منهجيتين. الأولى، أن الخلاصات والاستنتاجات العامة للفكر والفلسفة العربيين الإسلاميين قد درست بدقة واستوعبت في التيارات الفلسفية اللاحقة. هكذا فعلت المدرسة السكولائية في فرنسا والقديس توما الإكويني وآخرين ممن انكبوا على قراءة ونقد الفكر العربي- الإسلامي، يمكن قول الكثير عن تلك القراءات وذاك النقد لكن المهم أن الإنجازات الكبرى العربية –الإسلامية لم تذهب هباء كما يتصور البعض وأن في بناء الفلسفة المعاصرة الكثير من الأحجار العربية- الإسلامية. عليه، يبدو من غير المجدي العودة إلى القديم مما تم هضمه فعلاً في الثقافة المعاصرة.

الملاحظة الثانية تتعلق بالنظرة العربية، المشرقية خصوصاً، إلى الحضارة. فثمة اعتقاد يتشارك كثر فيه يقول إن الحضارة العربية - الإسلامية انتهت بسقوط بغداد على أيدي المغول، ولم تنتعش إلا مع الحملة الفرنسية على مصر. وبغض النظر عن الأسئلة التي يطرحها تصور يربط سقوط وقيام حضارة باحتلالين أجنبيين، ينبغي الانتباه إلى السمة شديدة الأنانية في هذا الكلام.

في واقع الامر، استمرت الحضارة الإسلامية (مع تراجع التأثير العربي فيها) في السلطنة العثمانية والإمبراطورية الفارسية الصفوية والإمبراطورية المغولية الهندية. وفي الوقت الذي يعتبر العرب فيه أن عصراً من الظلام خيم على بلادهم منذ بداية العصر المملوكي حتى القرن التاسع عشر، يصح القول إن تركيا وفارس والهند عاشت عصور ازدهار فكري وثقافي وعمراني في تلك الحقبة. فشخصيات مثل الفيلسوفين الإيرانيين المُلا صدرا الشيرازي ومير داماد ومجموعة المؤرخين الأتراك اللامعين والمعمار سنان وعدد من الفقهاء الهنود، لا يحبذ المثقفون العرب كثيرا إدراجها ضمن بناة الحضارة العربية – الاسلامية رغم ان كثر منهم أصروا على الكتابة باللغة العربية (الملا صدرا، على سبيل المثال). وغالبا ما يردّ المثقفون العرب على هذه النظرة بنسبتها الى مستشرقين لا يخفون-من جهتهم- مواقفهم السلبية من العرب المعاصرين وفي مقدمتهم برنارد لويس. الجدير ذكره أن الإمبراطوريات العثمانية والصفوية والمغولية بلغت في نهاية المطاف عصر انحطاطها لأسباب مختلفة وخضعت في النهاية إلى عملية اعادة هيكلة شاملة خلال وبعد مراحل من الاستعمار الغربي في الهند و"المرض" التركي المديد والإفلاس القاجاري.

يكشف ما سبق التناقض العميق في الرؤية العربية إلى "النهضة" و"اليقظة" وغيرهما من مسميات مشاريع الأحياء القومي المستندة إلى استعادة صماء بكماء عمياء لما مضى وانقضى. فمن ناحية التناسق المنطقي، إذا جاز القول، يصعب الاعتقاد بالانهيار الشامل للحضارة العربية –الإسلامية في المشرق العربي والتعويل في الوقت ذاته على مكونات لم تسهم في إنقاذ تلك الحضارة من مثل الفلسفة والتراث والثقافة. ويصعب بالقدر ذاته القول بإحياء حضاري يستند إلى ما تسبب بالفشل الأول، من دون تعريضه إلى نقد شامل لا يقف عند نصوصه المؤسسة بل يتجاوزها إلى مفاهيم أرستها تلك النصوص التي تعكس في الجوهر ممارسات اجتماعية وسياسية ما زال كثير منها صامد بعد مرور مئات الأعوام على تأسيسه.

ويبدو فارغا من كل معنى الكلام عن تغيير سياسي مستوحى من علم الكلام المعتزلي، على ما اقترح بعض الكتاب العرب الذين رأوا فيه أساساً عقلانياً قابلاً للتطوير. ويبدو كذلك عديم النفع اقتراح العودة إلى تراث ديني أو فقهي يقال إنه يعاني من الإهمال. المضمون الواقعي لدعوات كهذه وما يشبهها ويصب في خانتها لن يكون بأفضل حال مما نراه اليوم من نكوص إلى أقصى حالات العدمية والردة والظلامية. وذلك في وقت تبدو فيه الدعوات إلى الانخراط في عالم اليوم، بمخاطره وفرصه، بسلبياته وإيجابياته، محاصرة في بقاع لا تني تتقلص وتنكمش أمام زحف أدعياء إعادة الخلافة، وبالتالي إعادة الأزمة الحضارية العربية إلى نقطتها المرجعية الأولى.

حزب الله في العراق؟

حازم الامين

 موقع "Now"

 

سأل لبنانيون كثر في الأيام القليلة الفائتة عن احتمال أن يُرسل حزب الله مقاتلين إلى العراق، على غرار ما فعل في سورية! 

لسذاجة وضعف في الفطنة كان كاتب هذه السطور استبعد أن يُشارك الحزب في القتال في سورية. سورية بلد كبير ومترامٍ وتأثير الحزب يبقى محدوداً، ثم إن الخسائر ستكون كبيرة. الى أن أعلن الحزب رسمياً أنه يُقاتل هناك.

الأسباب السورية للتردد في الذهاب إلى القتال إلى جانب النظام هناك تبدو في الحالة العراقية مضاعفة. العراق بلد أكبر من سورية، ومشاكله أعقد، والقدرة على التأثير في الوقائع أدنى منها في سورية. وعلى رغم ذلك على المرء أن يتردد في الحسم في أن الحزب لن يذهب للقتال هناك. فما رشح من كلام السيد حسن نصرالله الأخير يؤشر إلى احتمال المشاركة. ويؤشر أيضاً إلى أن مسألة "حماية المقدسات" انتقلت لتحل مكان تحرير القدس.

القول بأن الحزب لعب أدواراً كبرى في الحرب السورية ينطوي على مبالغة. لعب أدواراً محددة، ودفع أثماناً كبرى على صعيد الخسائر البشرية، وأيضاً لجهة تهشم صورته على نحو غير مسبوق.

ثم إنه اليوم أسير المشاركة في القتال. فقد صار واضحاً أن الحزب في سورية مصلحة أميركية واسرائيلية أيضاً. واستمرار القتال يشكل بحسب استراتيجية أوباما فرصة لاستنزاف إيران وفروعها الإقليمية، وهو يعني أن النصر في سورية ممنوع على أي طرف.

كلفة الذهاب إلى العراق ستكون أكبر، على المستوى البشري على الأقل، لكن ربما تطلب الأمر "تضحيات"، على رغم أن المنطق ينفي ذلك. فالحزب في سورية قاتل في القصبات القريبة من الحدود مع لبنان، وفي حمص وفي منطقة السيدة زينب. ولنقاط القتال هذه صلة بهويته الطائفية والمذهبية، وبوظائفه المباشرة كجهاز إقليمي.

في العراق المهمة أوسع بكثير، وخط الانقسام المذهبي هناك أشبه بشفرة سيف.

اللبنانيون حين تساءلوا، كان دافعهم بالدرجة الأولى البحث في ارتداد مشاركة الحزب في العراق على لبنان. على المستوى الأمني، انتقام داعش لن يكون سهلاً في حال توفر حد أدنى من النصاب السياسي والأهلي. هذه معادلة فهمها الحزب. إقصاء السنة اللبنانيين يوفر بيئة لداعش. أما على المستوى السياسي، فقد شعر اللبنانيون في الآونة الأخيرة أن حزب الله أدار ظهره لقضاياهم وانشغل حتى العنق في الوحل السوري. مرر الحكومة ومرر زيارة البطريرك الراعي اسرائيل، وانكفأ إلى حد ما عن السجال الداخلي. وسيكون للمشاركة في العراق نتائج مشابهة.

بعض الخبثاء من خصوم الحزب يريدونه أن يذهب إلى مزيد من الحروب في الخارج، وهم تأملوا خيراً بكلام السيد حسن الأخير.

هؤلاء يا سيد حسن خصوم خبيثون. ثمة خصوم غير خبيثين يتمنون أن لا يذهب الحزب إلى العراق، ولو أنه لم يكن قد ذهب إلى سورية. لو أنه حزب لبناني. فقط لبناني. حزب طائفي لبناني يسعى وراء مصالح الجماعة التي يُمثلها، ولا يدفع للجماعات الأخرى، من حصة جماعته، أثمان مشاركاته في حروب خارج الحدود. 

وثمة وجه آخر لهذه المشاركات، تتمثل في أن آلاف العائدين من القتال اختبروا على تلك الجبهات البعيدة أنماطاً من التشيع كانت عقود العيش في لبنان قد امتصت بعض غلوائها. اليوم يبدو أن شيئاً عاد ليتسرب. علينا أن ننتظر ونراقب.

الاثنين، 9 يونيو 2014

يوم النشور

 

 6/6/2014


قُتل العشرات وأُصيب المئات برصاص ابتهاج أنصار بشار الأسد بعد إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية التي دعا اليها ونظمها وأدارها وربحها بمعية أجهزته الأمنية.
تقدير عدد الضحايا الذي تولته جهات غير حكومية راوح بين عشرة قتلى ومئتي جريح في أربع محافظات امكن فيها اجراء احصاء تقريبي، وما يزيد عن العشرين قتيلاً، سقطوا في ليلة رعب فتح فيها جنود الاسد والمسلحون الموالون له أبواب الجحيم على المواطنين على الطرقات وفي البيوت. وعلى سيرتهم سار أشباه لهم في لبنان فرحوا ايضاً بالفوز العظيم.
كانت ليلة تليق بخاتمة «العرس الديموقراطي» الذي شهدته سورية لإعادة تنصيب رئيس أثخن فيها قتلاً ودماراً. كانت الليلة عيّنة للسلوك الذي سيسلكه أتباع الأسد عند انتصارهم على أعدائهم - مواطنيهم.
بيد أن أيام الانتخابات في الداخل والخارج والاستعدادات التي سبقتها ورافقتها، كشفت للمرة الالف ربما كم ان هذا النظام عاجز عن التطور واستيعاب دروس الثورة عليه، وكم هو ملتصق بماضيه.
بهذا المعنى كانت الانتخابات كيوم النشور. خرج أموات النظام كلهم من القبور وأعلنوا الاستيلاء على ما تبقى من حياة في سورية. عاد حافظ الاسد أولاً وقبل الجميع. عادت اساليب الترهيب والتهديد لحمل الناس على الاقتراع للقائد. وعادت الصور العملاقة لاحتلال الساحات والشوارع.
ماذا تقول هذه المبالغة في الاحتفال والاستعراض وحشد الراقصين والراقصات في الشوارع غير الخواء والفراغ؟ ماذا وراء التوتر والنزق في تسيير المؤيدين غير محاولة اخفاء غياب الثقة بالذات والخوف الرهيب من الغد؟ ماذا تعني التظاهرة التي دبرها النظام وأنصاره لعشرات الآلاف من اللاجئين والعمال السوريين في لبنان غير الاصرار على متابعة كل ما قام ضده السوريون ودفعوا في سبيل التخلص منه اثماناً لا تطاق ولا تُحتمل؟
لا معنى للاصرار على استعراضات الولاء الاعمى والافراط في الاحتفال المسلح، غير قول واحد هو ان الحرب مستمرة بكل الوسائل على من يتحدى امساك آل الأسد ومواليهم بالسلطة. الحرب هي الخيار الوحيد المتاح لاستمرار النظام الذي ربط نفسه بمتابعة قتل مواطنيه وألصق خلاصه بالمضي بالحرب حتى النهاية.
لقد خرج رميم البعث من القبور ليعلن ان لا مستقبل الا للماضي وان لا حياة الا للموت في «سورية الأسد» وأن النصر الذي يزعم النظام تحقيقه على الثورة، لا يكون في حال حصوله غير نشر الهباء في المشرق العربي ونعي لكل محاولات التغيير والتقدم.
أراد النظام السوري «تجديد شرعيته عبر صناديق الاقتراع» وكان له ذلك. استعرض سطوته على ملايين السوريين الذين خذلتهم معارضتهم قبل ان يخذلهم العالم. وأظهر عزمه على تجاهل كل الاسباب التي فجرت الثورة متخيلاً قدرته على وقف عقارب الساعة، ويساعده في وهمه هذا عالم لا يخفي انحيازه الى الطاغية ولا مبالاته بمآس انسانية لا تليق بغير عصور التوحش.
ويفترض الأسد ومؤيدوه انهم وجهوا رسالة الى السوريين تزيد يأسهم من الخروج من هذا الكابوس. ويظنون ان الانتخابات هي النتيجة السياسية للنجاحات الميدانية التي حققوها في الشهور الماضية وأن الثورة قد قضت نحبها. لكن من قال ان الاموات، حتى وان خرجوا في يوم النشور الانتخابي، سينتصرون على الحياة؟


حسام عيتاني 

 

 


 

الجمعة، 1 فبراير 2013

الحق في الاستبداد


حسام عيتاني
الجمعة ١ فبراير ٢٠١٣
ما زال الرئيس المصري محمد مرسي يسيء تفسير التفويض الممنوح له. أثبت بإصداره الاعلان الدستوري في تشرين الثاني (نوفمبر)، ان رؤيته ورؤية الجماعة التي ينتمي اليها الى الانتخابات التي جاءت به رئيسا، تقتصر على «الحق في الاستبداد» وليست تفويضاً مشروطاً بشروط القانون والدستور.
اضطر مرسي الى التراجع المهين عن الاعلان بعد أيام من التظاهرات الضخمة التي رسمت حدود نفوذ «الجماعة» خصوصاً في القاهرة والمدن الكبرى. وساهم تمرير الدستور في كانون الأول (ديسمبر) ليزيد الصورة تعقيداً: ان شريحة مهمة من الشعب المصري تؤيد سياسات الاخوان المسلمين.
ويبدو ان الحزب الحاكم الجديد في مصر يتعلم بالطريقة الصعبة. التجربة والخطأ. وحتى الآن تبدو الأخطاء أكبر بكثير من الإيجابيات التي يمكن ان تُنسب اليه. فدوافعه الموضوعية والإيديولوجية وضعت فوز مرسي والنجاح في تمرير الدستور في خانة التأييد لبرنامج «الأخوان» السياسي وليس في خانة اكثر تواضعاً تقوم على غياب البدائل الحقيقية وافتقار المعارضة الى الحضور الشعبي العريض والى البرنامج المفهوم والمقبول على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. فلا عجب أن تتحول الانتصارات التي حققها حزب الحرية والعدالة في أذهان قادته الى دعوة شعبية الى ممارسة الاستبداد على الطريقة القديمة، معطوفاً على جمهور كبير شديد المحافظة والتدين.
في المقابل، ورغم الأخطاء الكارثية التي أوقع «الأخوان» أنفسهم فيها، لم تتمكن المعارضة منذ الاستفتاء على الاعلان الدستوري في آذار (مارس) 2011، من تحقيق أي انتصار في صناديق الاقتراع. وكلما استُدعي المصريون للإدلاء بأصواتهم يختارون الجانب الذي يناصبه الثوار العداء. هذه حقيقة جديرة بالتأمل.
على أن ذلك لم يسحب ما يرى الثوار فيه مكتسباً استراتيجياً حققته الثورة لهم وهو «الحق في العصيان». فالانتخابات ونتائجها واخفاقات الثوار فيها - بغض النظر عن التبريرات والتفسيرات عن نسب المشاركة التي لا تخلو من وجاهة - لا تكفي لإقناع المعارضين وكتلتهم الصلبة بالامتناع عن الاستعانة بالشارع للتعبير عن رفضهم سياسات مرسي وحكومته وحزبه. ولا بالتسليم بسيرورة العملية الديموقراطية والارتضاء بما اختارته الكتلة الأكبر (الناشطة) من المصريين.
والحال ان النقص في شرعية الحكم القائم وإصرار المعارضة على العمل المباشر، ينبعان من جذر واحد هو غياب العقد السياسي او الاجتماعي الميثاقي.
وواضح من الأسلوب الذي جرى تمرير الدستور الجديد به، ان «الأخوان» فضلوا ضرباً من الصفقات والتسويات الفئوية. فكرسوا بقاء الجيش، في نص ميثاقي، بعيداً عن الرقابة بعد ان كانت هذه الممارسة بمثابة العرف غير المكتوب منذ عهد الرئيس جمال عبدالناصر. وقدموا للتيارات السلفية بعض التنازلات في المواضيع الاجتماعية، وسايروا كبار رجال الاعمال في تهميش قضايا العدالة الاجتماعية.
ما من كشف في القول ان الدساتير لا تصاغ بهذه الطريقة حتى لو أقرتها الاستفتاءات. وان النصوص الميثاقية الكبرى تعبّر عن التعاقد الذي توصلت اليه أطراف المجتمع وقواه الحية. هذه الثغرات، الشديدة الاتساع والخطورة، هي ما يمنح المعارضين الثوريين «الحق في العصيان» من دون ان تكون لديهم القدرة على استدخال تغيير جذري قريب في المشهد السياسي، ومن دون ان يبدي الحزب الحاكم أي رغبة في استخلاص الدروس اللازمة من ممارسته الضحلة للسلطة.

الثلاثاء، 17 يناير 2012

عنا، نحن سكان الجمهورية اللبنانية

لا يحتاج لبنان الى سكانه. هم عالة عليه. لا يحتاج الى مواطنين، فيطردهم. عمال وموظفون وقوادون ومرتزقة. ينشرون الحرف والحضارة والامراض الزهرية في العالم. نصابو العالم وكذابوه، خرجوا من بين ظهرانينا... ولا فخر.
لا يحتاج بلدنا الى عقول بحسب ما يزعمون. فهو ما زال يعمل بعضلات العبيد. وهؤلاء لا حاجة لهم إلى العقل. بل اننا نستورد عبيدا يساعدوننا في تظهير عنصريتنا وعقدنا... النفسية المستعصية. فنتغصب خادمة المنزل ونذل عامل الورشة ونهين الواقف امام محطة البنزين، لأننا عجزنا عن أداء أدوارنا كبشر وعن الارتقاء الى سوية الانسان العاقل. وكنا قد فشلنا في كل امتحان مررنا به، من امتحان الاستقلال الى امتحان الحرية، وها نحن نقف مذعورين نتفرج على ثورات جيراننا بحسد وخوف. حسد من ان يتحقق ما حلم بعضنا ذات يوم به عندهم، وخوف من ان نسقط في عادتنا الكريهة بترجمة كل حراك إلى احتراب واقتتال اهلي.
نحن عبيد بعضنا. عبيد ماضينا الذي لا يمضي ولا يحول ولا يزول. عبيد نظامنا السياسي –الاجتماعي القهري. عبيد حربنا الاهلية الباردة التي لن تنتهي. سلسلة لا أول لها ولا آخر من العبيد القاصرين عن أي فعل غير فعل الاستعباد حيال الآخر الأضعف وغير أداء شعائر العبودية أمام الآخر الأقوى. نقيم في الغرب ونكرهه. نقبض من شيوخ النفط ونحتقرهم. نسرق الافارقة ونعمم فسادنا في بلادهم. وحلمنا العودة الى بلدنا "قطعة السما" حيث يستطيع السني التلذذ بالحديث عن عهر الموارنة والشيعي التمتع بتقبيح غباء السني وجبنه، والدرزي يمجد ذاته بتذكر "عقصة نحلة" اردى بها جاره المسيحي.
اما عند الملمات فما اسرع ظهور مسؤولينا المنتخبين ديموقراطيا، بوجوههم الثقيلة والصقيلة، على الشاشات يعلنون موت بعض المنكودين، في طائرة تسقط في البحر، او في مبنى ينهار على فقرائه المحليين والمستوردين أو في انفجار أخوي عارض. وما ارشق السنتهم وأيديهم في حقننا بمخدر العنف الطائفي الذي يجعل النشوة تنتشر في أوصالنا لننام في انتظار استئناف المذبحة.
الإثم العنصري والبلد الفاشل والاقتصاد الريعي الشائن، حال لن نتقاسمه ولن نلقيه على قلة فاسدة. بل اننا لن نعالجه. فهو منا ونحن منه. فلا حياة لنا من دونه. لقد نسينا كيف نكون مواطنين كرماء في بلد كريم. ربما لم نعرف اصلا هذه الصفة في تاريخنا. لقد أصبح الغباء والذل والكراهية، عناصر لحمة هذا البلد وهذا الكم من البشر. فإذا سُحب اي من عوامل اللحمة هذه انهار البلد وعدنا الى الحرب الأهلية. وما هذه إلا الوجه الآخر لمجتمع ودولة اقيما على عجل "نكاية" بالعرب والترك. نكاية بالأديان والاكثريات والطبقات. وخصوصا نكاية بأي فهم سليم وبسيط للاقتصاد او الوجه الذي يتدبر فيه الانسان معاشه.
مات القاطنون في ذلك المبنى في الأشرفية. مات قبلهم كثر، من دون أثر او قيمة او كرامة. وسنموت كلنا في يوم قريب او بعيد، مذلون مهانون، غايتنا الحاق الاهانة بمن يرميه حظه في طريقنا والوقوف على اعلى تل نستطيع بلوغه والزعم اننا بناة حضارة ما، ثقافة ما، فكر ما... اما نحن، فنحن والعدم سواء.

السبت، 23 أبريل 2011

صرت عدة احيان طالع مع شوفير سرفيس عم يسمع برنامج إذاعي، يعتقد مقدمه انه أحد الامثال الشعبية هو خلاصة الحكمة عبر العصور... كل خمس دقائق بيقول المقدم "انخلي يا مرات حنا ان ضل في طحين".... لا أعرف من اي ثنية من ثنيات دماغ المقدم خرج هذا المثل لكنها تساهم في عدم تحسين صورة سائقي السرفيس في بلادنا

الاثنين، 11 أبريل 2011

كشف سر تكرار سقوط اجدابيا والبريقة

توصلت اليوم الى كشف مدهش حول الأحداث الليبية. فكل يوم استمع إلى المتحدثين باسم الثوار يقولون أن وضعهم ممتاز ويحققون المزيد من التقدم. واتابع الأخبار لاكتشف ان اجدابيا سقطت بعد البريقة بأيدي قوات القذافي. في اليوم التالي يتكرر الموضوع لكن الثوار هم من يسيطر على المدينتين. فاشتبه الأمر علي وشككت في صدق ما يقول الثوار والمتحدثون باسمهم على القنوات الفضائية المعتمدة في نقل أخبار (بعض) الثورات.
إلى ان قررت الاستعانة بخريطة لليبيا حيث كانت المفاجأة الكبيرة: هناك سلسلة طويلة من المدن التي تحمل اسمي اجدابيا والبريقة على طول الساحل الليبي. وعندما يعلن الثوار انهم تقدموا الى اجدابيا يكونون فعلا تقدموا الى أجدابيا غير التي سقطت في اليوم السابق. وعندما يقولون انهم في البريقة، تكون هذه بلدة تحمل ذات اسم البلدة التي احتلوها قبل ايام. ووفق الخريطة، هناك 24 اجدابيا. 23 البريقة. 15 راس لانوف. وهكذا دواليك.


حسام عيتاني

السبت، 9 أبريل 2011

إلى الأدعياء في يوم سقوط بغداد

في الذكرى الثامنة لسقوط بغداد، علت أصوات تنعي على كثر من المثقفين والكتاب العرب افراطهم في الاهتمام بالثورات العربية الدائرة اليوم، في ليبيا واليمن وسوريا، وتناسيهم المناسبة وما شكلته من بداية لعهد من الاحتلال والارهاب والموت في العراق. الأصوات ذاتها وما يدانيها ويكافئها، نددت تنديدا مريرا بتغافل مزعوم عن العدوان الاسرائيلي المتصاعد على قطاع غزة.

في البال ملاحظات بسيطة وسريعة على النعي والتنديد المذكورين. فاهتمام الكثرة من الكتاب بالثورات العربية، علامة صحية على الاهتمام بالحاضر والمستقبل. وقد نذهب إلى القول إلى انه يؤشر إلى هضم المثقين هؤلاء لدروس احتلال بغداد وتوجيه انظارهم بالاستفادة من الدرس ذاك. 

اكثر من ذلك، نقول أن الاهتمام بالثورات العربية وبكل ما يحف بها من تفاصيل وأخطار جسيمة، ينم عن وعي للعلاقة السببية بين الاستبداد وبين الاحتلال. بين خلق الشروط الداخلية لاستدعاء الغزو الاجنبي وبين العجز الفاضح عن مقاومة الغزو هذا متى جاء. ذرائع الغزو والاحتلال ليست مطوية فقط في محاضر اجتماعات الرؤساء الغربيين. بل هي مبذولة امام عيوننا في ليل الاستبداد والظلم والقمع العربي الطويل. وأمن اسرائيل والنفط والاعتبارات الاستراتجية الكبرى، يدخلها في معادلة الغزو الخارجي من يجوف مجتمعه ويحول دون بنائه بناء متوازنا مفتعلا توترات طائفية وعرقية وجهوية لدوام سلطانه العدمي.

ان المسؤول عن الغزو الخارجي، في العراق وليبيا وغيرهما، هو في المقام الأول، ذلك النموذج التسلطي المنقطع عن العالم والمفقتر الى المعنى والمتمسك بأدواته الأمنية المريضة وعنفها المجنون.

أما بالنسبة إلى ما يجري في غزة، فنقول أن ما من حل عادل للقضية الفلسطينية من دون تغيير في "النظامين" الحاكمين في غزة ورام الله واقتناعهما أنهما اضعف بكثير من أن يكونا جزءا من لعبة المحاور العربية -الاقليمية من جهة، وأقل أهمية بالنسبة للعالم من أن يسارع هذا لنجدتهما متى اقتتلا وتناحرا. عليه، تكون الثورات العربية الحالية قدمت اقتراحا بمخرج من الأزمة الوطنية الفلسطينية.

والأدعياء (اقرأ: الأغبياء) الذين يأخذون على الكتاب العرب ما ذكرنا من مآخذ، يتعين عليهم فهم الحقيقة البسيطة القائلة ان الانظمة الآيلة الى السقوط لم تنصر شعبا عربيا عندما عزّ النصير. ولم تدافع عن مدينة فلسطينية او لبنانية او غيرها عندما استذأبت اسرائيل. ونحن على يقين أن ما يدافع عن اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والمصريين واليمنيين والبحرينيين وغيرهم هي أنظمة تقوم على احترام كرامة المواطن وليس امتطائه بذريعة قضية لا تعرف انظمة الاستبداد قيمة لها ولا معنى غير استغلالها للبقاء على رقاب الخلق.

حسام عيتاني

السبت، 26 مارس 2011

ماذا لو....؟

ماذا لو تجددت التظاهرات في سوريا واتسع نطاقها؟

هل سيتجاهل الحكم هناك الأوراق الخارجية التي يملكها؟ دعونا لا ننسى أن للنظام أدوات كثيرة، معلومة ومجهولة، قادرة على قلب الطاولة في المنطقة إذا أحس بدنو ساعته. استعراض تاريخ الحكم منذ السبعينات ومرورا بالثمانينات والتسعينات، يقدم فكرة عما نقول. ثمة وسائل، تبدأ مع أصغر "شبيح" في بيروت ولا تنتهي مع تنظيمات كبيرة ومسلحة حتى الأسنان.

الأساليب ربما خبرناها جميعا. لكن هل هناك ما يمنع من استئناف استخدامها؟
هل هناك ما يمنع من حصول صفقات كبيرة، إذا حصل الحكم في سوريا على ضمانات باطلاق يده في الداخل؟
هل هناك ما يمنع من تسليم "فلان" أو "علان" من اللبنانيين إلى المحكمة الدولية كثمن لاستمرار النظام؟
هل هناك ما يحول دون تفجير الموقف في جنوب لبنان أو غزة إذا فشلت صفقة من هذا النوع؟
وماذا عن إمكان الهروب الى حرب اقليمية أو التهديد بها أو خلق الظروف التي توحي بقرب اشتعالها؟ لا ننسى مهنية "الدفع الى حافة الهاوية" التي يتمتع بها الحكم.
وهل ثمة ما يحول دون توافق أميركي سوري على رأس "حزب الله" مقابل ضمانات بصمت المجتمع الدولي عن كل ما يمكن ان يقع في لبنان وسوريا؟

اسئلة تصعد إلى الرأس بعد الانباء عن رغبة الرئيس السوري باعادة سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، وبعد احداث مفاجئة في لبنان وغزة والقدس....

لا استبعد أن يرد البعض قائلا أن الاسئلة هذه تصدر عن جهل مطبق بطبيعة النظام في سوريا وبعمق العلاقة بين دمشق و"حزب الله" و"حماس" الخ... لكن ماذا لو..؟؟؟

الجمعة، 11 مارس 2011

في تكريم جورج طرابيشي*





تبدو محاولة سرد سيرة جورج طرابيشي الشخصية والفكرية أو سبرها، باعتماد أسلوبه وطريقته، من الأمور التي تشق على الباحث.

فلطرابيشي تلك الطريقة التي تشبه البحث عن أثار سير النمل والتدقيق فيها على كثبان رملية تغير الريح معالمها كل بضع ساعات. وأكاد أجزم أن جَلَده وتأنيه في البحث والتمحيص وملاحقة المصادر والأصول هي مما يثير حنق كتابٍ كثرٍ سقط بعضهم في العسير من امتحانات طرابيشي.   

واعترف أنني تأخرت في اكتشاف طرابيشي الكاتب والباحث والمؤلف. وبعد قراءات غير منهجية لترجمات ماركسية وفرويدية، تعرفت اليه عن طريق مقال صحافي تناول كتابه "نظرية العقل" أو الجزء الأول من مشروع "نقد نقد العقل العربي". لا أرغب في العودة الى تلك المعركة بين مشروع "نقد العقل" ومشروع "نقد نقد العقل" لكثرة ما جرى تناولها والحديث عنها. لكنني أود فقط تسجيل مشاعري عند وصولي إلى الصفحة الأخيرة من "نظرية العقل". لقد شعرت بمزيج من الأسف والاعتزاز. أسف على تكرار وقوعنا، كقراء عرب، المرة تلو المرة ضحايا عمليات تزييف واحتيال بل أسمح لنفسي بوصفها بعمليات النصب التي ما كنا لننتبه الى فداحتها وخطورتها لو لم يتنكب هذا العبء كاتب مثل جورج طرابيشي، يشكل - ببساطة - مصدر اعتزاز لكل قارئ بالعربية اليوم. اعتزاز لأن استغباء القارئ العربي صار أصعب.

وكنت مع قراءة كل كتاب من المكتبة الغنية من مؤلفات طرابيشي، في الفلسفة او النقد الأدبي أو البحث المعرفي في التراث العربي الإسلامي، أجد نفسي أمام أسئلة جديدة عن دور الثقافة العربية في كسر حلقات التأخر والاستنقاع والتخلف التي ندور فيها، كشعوب وأنظمة وأشكال حكم وآليات تفكير منذ قرون. ويبدو لي أحياناً أن جورج قرر الاكتفاء بطرح الاسئلة، خصوصا الصعب منها، علينا، قبل أن يتابع رحلته التي تقوده فيها حوافز ودوافع لا نفقهها كلها.

واحد من الاسئلة المطروحة يتعلق بكثرة المحطات في رحلته. بيد أن من ولد في 1939، يبدو التأثر بل الانخراط في التيارات السياسية والفكرية الجارفة من بداهات الانتماء إلى العصر. ومع طرابيشي حل الانتماء باكرا. ومن البعث الى الماركسية فالوجودية وإلى الغوص في التحليل النفسي الفرويدي ثم الابحار في اوقيانوس التراث العربي- الاسلامي، تختصر هذه الرحلة رحلة جيل  عصفت به أحداث كبرى من الحرب العالمية الثانية الى نكبة فلسطين "فالثورات" والانقلابات العسكرية العربية ثم صعود القومية وجمال عبد الناصر ...الخ وصولا إلى هزيمة 1967 التي لم نستفق من الغيبوبة التي أدخلتنا فيها بعد. 

المشكلة التي تواجه قارئ طرابيشي هي محاولته الحصول على موقف سياسي واضح من الكاتب، على طريقة "الاستصراح" التي يستخدمها بعض الصحافيين اللبنانيين مع سياسيينا. يريد بعض القراء أن يحدد جورج موقفه بدقة من هذه المسألة السياسية أو تلك. والقراء العرب يطلبون الكثير من العاملين في شؤون الفكر. ويذهب البعض إلى حصرهم أو حصارهم في مواقف ضيقة بل حزبية. وما يشفع للقارئ العربي في الحاحه على المثقف الادلاء بموقف صريح في السياسة الراهنة، هو الحالة المزرية التي بلغتها أحوال حكوماتنا واحزابنا، المُوالي منها والمُعارض، ووسائل اعلامنا واجتماعنا وثقافتنا. ويمكن، في السياق هذ، النظر إلى التراث  العربي –الإسلامي كسجل للعلاقة المضطربة بين مكونات المجتمعات والمثقف الواقع في خضم آلات القمع السلطوي، الممارس من الحكم أو من المجتمع أو من الدين.   

وطرح جورج طرابيشي عدداً من المسائل السياسية الراهنة في كتبه. كالعلمانية والاسلام السياسي. بيد أن مسائل مثل النهضة العربية والحداثة والعقلانية وأخطار الردة، احتلت مقاما متقدما لديه على المقاربات الآنية.  كتاب "هرطقات" بجزئيه، على سبيل المثال، علامة على الانشغال بالراهن السياسي مع الأخذ في الحسبان الدلالات الثقافية، او بالعكس، أي دراسة الدلالات السياسية والاجتماعية للعمل الثقافي، بحسب ما يظهر من المقال المخصص لرواية نجيب محفوظ "رحلة ابن فطومة".

وفي مجال العمل العام او التأثير فيه، قد لا يكون من المبالغة القول ان جورج طرابيشي كان واحدا من شخصيات اليسار الجديد في الستينات والسبعينات الى جانب صديقيه الياس مرقص وياسين الحافظ.

ويقول جورج طرابيشي  في سيرة ذاتية مختصرة "على أن الفجيعة الكبرى في حياتي كانت هزيمة حزيران المذلّة عام 1967. ولكنها كانت هي أيضاً عامل التحول في وعيي من العقل الإيديولوجي الى العقل النقدي. وقد مرّ هذا التحول بمراحل ثلاث: من المرحلة القومية العربية الى المرحلة الماركسية بطبعتها الوجودية السارترية ذات النَفَس النقدي. ولكن انتصار سارتر للثورة الثقافية الصينية ولكتاب ماو الأحمر أحدث انتفاضة جديدة في وعيي وحسّي النقدي، فكان تحولي نحو الفرويدية وإقامتي في قصر التحليل النفسي وسجنه معاً على مدى سنوات عشر تزامنت مع هجرتي من سورية الى لبنان، أي من وطني بالولادة الى وطني بالإرادة كما كنت أقول دوماً عن هذا البلد الذي أحببته والذي ما زادتني آلامه إلا حباً له بعد أن أقمت فيه اثني عشر عاما ً. ومنه هاجرت –وقد أتعبتني حربه الأهلية- الى فرنسا حيث لا أزال أقيم منذ عام 1984."

وحتى الآن أزعم أنني لم أحط سوى بجزء يسير من عوالم جورج طرابيشي. في رحلته من الدراسة الى التعليم الى العمل الاذاعي ثم رئاسة تحرير "دراسات عربية" ثم اصدار مجلة "الوحدة" في باريس، قبل التفرغ الى الكتابة. يحف بهذا كله عشرات من الكتب المترجمة (يزيد عن المئة) ومقالات أكثرها في عرض ونقد كتب جديدة.

تنوع المهن يسير يدا بيد مع تنوع واتساع في الاهتمامات. وإذا قمنا باسترجاع عناوين فصول "وحدة العقل العربي الاسلامي" الصادر عام 2002 ضمن مشروع "نقد نقد العقل العربي"، لوجدنا طيفا عريضا من الاهتمامات يمتد من الفلسفة اليونانية الى تلك العربية مرورا بالفقه الاسلامي (الذي سيكون لطرابيشي وقفة طويلة معه في كتابه الذي وقعه اليوم، "من اسلام القرآن إلى اسلام الحديث- النشأة المستأنفة") إلى اللغة وفقهها.

هموم او اهتمامات طرابيشي تمتد لتبلغ كتابات حسن حنفي في "ازدواجية العقل"، وروايات حينا مينا ومبارك ربيع في "الروائي وبطله"، حيث استخدم في الدراستين ادوات التحليل النفسي والجمالي. في القسم الاول من الكتاب، يقدم لنا عرضا نادرا في الادبيات العربية، لآليات التعويض النفسي حيث يحل الحزب القائد واوهامه الايديولوجية مكان الأب في الاسرة البطريركية الشرقية. ليس النموذج هذا سوى عينة مما يحملني على القول انه تبدو لي غاية في الأهمية الآثار التي تركتها المرحلة الفرويدية على طرابيشي، لكننا نرى ايضا آثار ترجماته لهيغل وأعماله في علم الجمال الكلاسيكي.

لكن ما هو التعريف الأقرب إلى وصف "حالة" جورج طرابيشي، إذا جاز القول. هل هو "مفكر" أم ناقد؟ السؤال هذا يبدو صادرا عن هوس يلاحقنا، كقراء، بالتصنيفات والتعريفات. لذا نقول ان طرابيشي في تفنيده لمشروع نقد العقل العربي، الذي كان المشروع الفكري للراحل محمد عابد الجابري، أظهر كل صفات الناقد الصارم الذي يلاحق عمله إلى أدق التفاصيل كأرقام الصفحات في المصادر المستخدمة ورقم الطبعات ومساءلة الترجمات المعتمدة، ووضع كل "الممارسات" النقدية هذه في خدمة غاية واحدة هي عرض نقاط الضعف في البنيان المنقود والرؤى الاحادية والمضللة التي أقيم البنيان ذاك عليها. في احيان يخرج جورج طرابيشي علينا كفيلسوف واحيانا اخرى نراه ناقدا ادبيا وفي كتبه الجديدة نجده فقيها مجادلا المذاهب واهلها وائمتها ومن دون ان ننسى االغوي. لكنه في المرات كلها يفعل ذلك بحرص شديد ودقة، اقول بأسف انهما غير مألوفين في عالمنا العربي.

والكتب التي خصصها جورج طرابيشي لنقد مشروع الجابري، والكتب المتفرعة عن النقد هذا كـ"المعجزة في الاسلام" و"مصائر الفلسفة بين المسيحية والاسلام"، تدمج صفتي "الناقد" و"المفكر". لم يقدم ضيفنا اليوم مشروعه في كتاب او سلسلة كتب محددة، وان قال في غير مكان ان الكتب الخمسة (أو الاربعة إذا سحب منها كتاب "من اسلام القرآن...") التي نقد فيها "نقد العقل العربي" اكتسبت استقلالها وباتت تشكل مشروعا منفصلا عن سببها المباشر.

واذا شئنا صوغ مشروع جورج طرابيشي في كلمات أو جمل موجزة، لقلنا أن الرجل يبحث في ما كوّن الثقافة العربية المعاصرة وفي ما يمكن أن يغيرها. من هنا اهتمامه بالابيستمولوجيا ومحاولته اعادة وضعها في نصابها. ومن هنا صراعه الدائم مع كل انواع الابتسار والاختزال سواء من النوع الرامي الى فرض صور نمطية على الحضارة والفكري العربيين –الاسلاميين، أو ذلك الناجم عن قلة الدراية والقافز صوب بناء استنتاجات كبرى تأسيسا على معرفة ناقصة ومشوهة. وكُتبُ جورج طرابيشي غنية بالأمثلة التي يسوقها كاتبها للحيلولة دون نشوء أي شبهة او ظل شبهة. كاللائحة التي ارودها في "نظرية العقل" لاسماء الثلج وأصنافه باللغة العربية ردا على قائل ببداوة اللغة العربية والتصاقها التام ببيئة صحراوية ضحلة وفقيرة اسفرت عن فقر في الخيال. اسلوب ادراج المصادر واللوائح التي تضرب مقولة الخصم كالطوفان، نجدها في مواضع مختلفة، بحيث لا يعود من مجال للشك في ما يذهب اليه طرابيشي.

وإذا أردت ان اكمل الصورة، لقلت أنني على اطلاع على النقد الموجه الى مؤلفات جورج طرابيشي وأن بعضا من النقد هذا يسـتحق نقاشا موضوعيا. أي من صنف النقاش الذي يتطلبه نقد طرابيشي لمؤلفات كتاب آخرين امتنعوا عن خوض هذا اليم مفضلين البقاء قرب الشاطئ آمنين.
                                                               حسام عيتاني

____________________
*القيت في الحفل الذي اقامته "الحركة الثقافية في انطلياس" لتكريم جورج طرابيشي في 6 آذار 2011








     


الجمعة، 4 مارس 2011

أوهام!



استقالة رئيسي الوزراء التونسي والمصري محمد الغنوشي وأحمد شفيق من منصبيهما واكتساب الثورة الليبية المزيد من التأييد الداخلي والدولي واتساع التحركات المناهضة لنظام علي عبدالله صالح في اليمن وتجذر مطالب المعارضة البحرينية، هي عناوين أحداث الأيام الماضية.
وعند إضافة إمكان تمدد التحركات المطالبة بالإصلاح إلى العراق ولبنان وغيرهما، يبدو لنا أن ركاماً عالياً من الأوهام قد بدأ بالانهيار وأن الغبار يلف الجميع ليطلق أوهاماً جديدة، بدوره.
فواهم من يعتقد أن في الوسع تطويق زخم الثورتين التونسية والمصرية، على ما دلت الإطاحة بالغنوشي وشفيق. وواهم من يعتقد أن الهياكل الإعلامية للنظامين السابقين ستبقى في منأى عن المساءلة، على ما يرى بعض انتهازيي الصحافة المصرية، على سبيل المثال، والذين بدلوا مواقفهم من الدعوة الصريحة إلى سحق وإحراق المتظاهرين في ميدان التحرير إلى التمسّح بهم طلباً لبركات الثورة، في أقل من أربع وعشرين ساعة.
وواهم من يراهن على أن النظام الأمني –البيروقراطي في تونس ومصر سيبقى مغلقاً ومليئاً بالألغاز العصية على فهم الثوار، حتى لو أُضرمت النار في كل المراكز الأمنية التونسية أو هُرّبت ملفات أجهزة المباحث وأمن الدولة وغيرها في مصر.
وواهم من يقول أن الثورات العربية ستتوقف عند القشور ولن تبلغ عمق التركيبة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد التي تأثرت بالأحداث الأخيرة وأن الأوضاع ستعود إلى ما كانت عليه في أعوام الركود المصري والاستبداد التونسي. نظرة سريعة الى المأزق الذي تعانيه البورصة المصرية التي تؤجل عودتها الى العمل منذ أكثر من شهر، كفيلة بطرح أسئلة كثيرة عن مستقبل رؤوس الأموال التي جمعت من نهب المال العام وكيفية تعامل السلطات الجديدة معها، وما يتفرع عن ذلك من سؤال عن مصير الطبقة الطفيلية التي تعيشت طويلاً على عرق المصريين والتونسيين.
وواهم من يظن أن مد التغيير العربي لن يصل إليه. وبغض النظر عن الجدال في دور القضية الفلسطينية وموقف الأنظمة المنهارة منها، وبغض النظر عن مقولات عودة الحياة الى القومية العربية التقليدية (بصيغتيها البعثية والناصرية) في الوقت الذي تعلن الثورات طلاقها مع أنظمة استمدت شرعيتها من النظرية تلك، تتشارك الشعوب العربية في تفارقها الهائل عن الأنظمة الحاكمة والقيم المفروضة عليها.
وإذا كان بعض السياسيين (في لبنان، مثلاً) قد لاحظ أن ما من تظاهرة واحدة قصدت السفارتين الإسرائيلية أو الأميركية في القاهرة، فذلك لا يعني تجاهلاً للمكون الوطني المناهض للاحتلال في التحركات العربية، بل على العكس تماماً. إن ذلك يشير إلى أن النظرة السابقة الى الصراع العربي –الإسرائيلي تخضع حاليا لإعادة تقييم عميقة تأخذ في الاعتبار المصالح الملموسة للدولة الوطنية، بعيداً عن شعارات استغلتها الأنظمة لتفرغها من كل مضمون حتى باتت أشبه بالإهانة الموجهة الى المواطن العربي.
في المقابل، واهم من يستسهل تقدم الثورات واتساع رقعتها وتعميقها مكتسباتها. وما يجري في تونس ومصر من مقاومة شرسة تبديها بقايا النظامين السابقين والحرب التي يشنها القذافي على شعبه، علامات صريحة على أن الماضي يأبى أن يمضي قبل أن يستنفد كل فرصه وحظوظه حتى لو غرق العالم العربي بأسره بالدماء.
وواهم من يحصر مطالبه بتغيير صورة الحاكم في الدوائر الرسمية. والانتكاسات والتراجعات وتسلل النخب القديمة من نوافذ البيوت التي طردوا من أبوابها، هي من الممارسات المرافقة لحركات التغيير في تاريخ العالم. ونهاية «الاستثناء العربي» تملي الاستعداد للانخراط في التاريخ.

حسام عيتاني -"الحياة" 

الجمعة، 25 فبراير 2011

الثورة الليبية بين ماريا كاري وبيونسيه

خصصت ساعات بعد الظهر اليوم للبحث في قضية مثيرة للريبة تنطوي على تآمر أميركي من صنف جديد على الثورة الليبية. فقد قرأت أن الفنانة الاميركية ماريا كاري غنت في حفل أقامه سيف الاسلام القذافي في جزيرة في البحر الكاريبي وحصلت على 1.2 مليون دولار مقابل اربع أغنيات.

وقد نفى سيف الاسلام الواقعة وقال ان شقيقه هنبعل، ضارب الخدم المغربي في سويسرا بالشراكة مع زوجته اللبنانية، هو من أقام هذا الحفل.

الحقيقة التي كشفتها تحرياتي أن المغنية بيونسيه هي التي احيت الحفل في جزيرة سانت بارتولوميو في الكاريبي مقابل مليوني دولار دفعهما هنبعل، فيما خرجت ماريا كاري من القصة مثل الشعرة من العجينة. والمناسبة كانت ليلة رأس السنة 2010 وقد حضرت بيونسيه مع زوجها "جيه زي" الى الجزيرة بطائرة خاصة وغادرا فور انتهاء الوصلة الطربية.

وأقر أني شعرت بخيبة أمل. ليس لهول المبلغ المُبذر ولا للاستلاب الثقافي للاخ هنبعل الذي فضل بيونسيه على شيخ القدود الحلبية صبري مدلل او صباح فخري (على الاقل)، بل لأنني اعتقدت ان السيدة بيونسيه ليست واطية الى هذه الدرجة. فرغم انها تملك حوالي مليار دولار، تذهب لتغني في حفلات هنبعل القذافي. تفو...

الأربعاء، 23 فبراير 2011

لا "للتدخل الانساني"

رغم الالم الذي يولده عنف نظام القذافي ضد الشعب الليبي، ورغم التعاطف الكامل مع مأساة الليبيين، تشكل الفكرة التي يكثر تداولها في وسائل الاعلام الغربية عن قيام قوات من حلف شمال الاطلسي بتدخل انساني لوقف جرائم القذافي، سوء فهم عميق لما يجري في العالم العربي وخطر جدي يهدد الحركة الديموقراطية العربية.

باختصار شديد، سيؤدي أي نزول لقوات الاطلسي في ليبيا وبغض النظر عن الذرائع، إلى اجهاض كل الثورات العربية، التي نجحت والجارية اليوم والتي تتحضر للانطلاق. سيضع الانزال "الانساني" الثورات في خانة عودة السيطرة الغربية على المنطقة وسيمنح انظمة الاستبداد العربية القائمة المزيد من الذرائع للتمسك بالسلطة.

ومن جهة ثانية، سيعني أي تدخل انساني في ليبيا، رفع عقيرة أنظمة الممانعة وممارستها الضغط على قوى التغيير لمنعها من القيام بأي تحرك. بكلمات أخرى، سنكون أمام تكرار للغزو الأميركي للعراق والنتائج الكارثية التي جلبها لقوى التحرر والديموقراطية والتغيير العربية. وسترفع الحكومات العربية التسلطية ذات الشعار الذي رفعته بعد الغزو الاميركي للعراق: التغيير يعني الاحتلال الغربي والاقتتال الطائفي -القبلي.

لا نريد رؤية التاريخ يتكرر على هذه الصورة الكارثية مرتين في أقل من عقد واحد.

حسام عيتاني

الاثنين، 21 فبراير 2011

خطاب يختصر الفكر السياسي العربي

في اقل من 24 ساعة، نال خطاب سيف الاسلام القذافي من التنديد والاستنكار وأسال حبرا يزيد عن كل ما اسالته خطابات رئيس جمهوريتنا منذ توليه الحكم.

لقد قيل أنه يحمل تهديدات للداخل بالحرب الاهلية وبانهار الدماء وخسارة النفط والعودة الى زمن لم يكن الليبيون يعرفون فيه المدارس والمستشفيات. قال سيف الاسلام أنه وأبيه واخوته متمسكون بالسلطة لأنهم العلاج الوحيد المتوفر لأمراض ليبيا التي لا علاج لها. إذا ازيح "قائد الشعب" القذافي الأب، سيعود الاستعمار وستغرق البلاد في لجج عميق من اللهب والنار والموت. هم أو الدمار العميم، قال. كما وجه تهديدات الى الخارج ملوحا بقيام دويلات اسلامية ارهابية محذرا من تدفق اللاجئين الليبيين والأفارقة على اوروبا.

المهم في الخطاب، انه كشف الخطاب الحقيقي المضمر للحكم في ليبيا ونزعم انه خطاب الانظمة العربية كلها. بعد عقود من التغني بالقومية العربية والتكوين الطبيعي للوطن العربي الذي جزأه الاستعمار، جاء ابن من ملأ الدنيا ثرثرة ولغوا عن العرب والعروبة والتواصل الطبيعي، ليقول بكلمات لا لبس فيها ولا تأويل لها أن ليبيا انشأتها شركة نفط أميركية للحيلولة دون اقتتال ابناء الوطن الواحد على غرار ما جرى عام 1936. واعلن أن ما من شيء يجمع الليبيين في بلد واحد سوى حاجتهم الى استغلال النفط، المورد الوحيد لرزق البلاد وسكانها. ومن باب أولى ألا تكون أي مبررات لوحدة عربية من المحيط الى الخليج من دون نفط. الرسالة الخالدة لا تطعم خبزا على ما كشف القذافي جونيور لنا.

ولعلها المرة الأولى التي يخرج شخص من صلب نظام عربي حاكم ليسمي الأمور بأسمائها الصريحة من دون لف ودوران: نحن نتيجة الاستعمار وأخوتنا ناجمة عن حاجتنا الى الخبز. لم يصارح حاكم عربي مواطنيه بكلمات على الدرجة هذه من الوضوح منذ ان توقف بث محاكمات الجزراوي، على الأقل.

وطرح القذافي الابن امامنا، الحقيقة الوحيدة للخطاب السياسي العربي، بما هو تكثيف لفكر سلطة تقوم على القسر والقمع والانتهاك، لكنها لا تجرؤ على اظهار وجهها الحقيقي الا لضحاياها. 

جفت الاقلام ورفعت الصحف.


حسام عيتاني

السبت، 19 فبراير 2011

عن المثقف جابر عصفور





تتردد الكلمات هذه في قلبي وضميري منذ خمسة عشر عاما. ووجدت أن انتصار الثورة المصرية مناسبة لتوضيح بعض الحقائق التي ساهم الجهل والكذب في التعمية عليها.
مختصر الحكاية أنني قرأت في العام 1996 مقالا كتبه جابر عصفور عن الترجمة الى العربية. ويستشهد بانحدار مستوى الترجمة هذه بنقل محمد عيتاني (والدي المتوفى قبل صدور المقال بثمانية أعوام)، لكتاب "الايديولوجية العربية المعاصرة" لعبد الله العروي. ويقول أن السبب الذي حمل العروي على اعادة اصدار كتابه في طبعات تالية بترجمته هو متخليا عن ترجمة العيتاني، هي الأخطاء الفادحة الواردة في الترجمة الأولى التي كان الدافع اليها سعي المترجم في جمع المال.

لقد عدت فعلا الى الطبعات التالية لكتاب العروي المذكور، وقرأت في المقدمة نقدا قاسيا للترجمة السابقة (من دون ذكر اسم المترجم)، واعتقد ان اي قارئ منصف سيوافق العروي على حرصه على أن تأتي الترجمة لائقة بالمضمون. ويحق لأي قارئ الاعتراض على مستوى الترجمة إن وجدها غير مناسبة وغير مقنعة. وأجد، شخصيا، بعض العيوب في ترجمات محمد عيتاني ولا ارتاح دائما الى مستواها. لكن الترجمة علم ومدارس, وإلا لم نكن لنجد عشرات الترجمات للأعمال الكلاسيكية، من اليونانية واللاتينية إلى الانكليزية على سبيل المثال. فتطور الدراسات الكلاسيكية يحتم ظهور ترجمات جديدة تلقي الأضواء على ما عسر فهمه على المترجمين السابقين أو ما أهمل هؤلاء من نقاط تحتمل تفسيرات عدة.

بيد أن هذا نصف الموضوع. النصف الثاني من المسألة، هو أن عصفور ارتاح الى اتهام محمد عيتاني بحب المال، وهي التهمة التي لم تكلف ادارة مجلة "العربي" ناشرة المقال، نفسها عناء التدقيق او التحقق منها، سيرا على سنة راسخة في الصحافة العربية في اعتماد الاستسهال الاهمال ولو على حساب كرامة الاموات والاحياء.

كان على المجلة الكويتية أن تدقق في التشهير الذي وجهه عصفور الى عيتاني. فدوافع الناقد الملهم تتراوح بين الجهل والكذب. وهو ما كان ينبغي ان تنتبه "العربي" اليه ولا تفلت له لجام الأكاذيب. فأنا، ابن محمد عيتاني، المترجم المُتهم بالسعي وراء المال وجمع الثروات من كتاب العروي، افتخر أن الرجل لم يترك لي ولأسرته، بعد ثلاثة وعشرين عاما على وفاته سوى بيت ورثه، هو، عن ابيه. الأموال التي يحكي عصفور عنها، يُسأل عنها مخترعها. أما حياتنا اليومية منذ وعينا على الدنيا فهي حياة حد أدنى، وليست قليلة المرات والأعوام التي وقعنا فيها تحت خطه، خلافا لما افترى عصفور كذبا.  
لكنني وأخوتي فخورون بإرثنا من محمد عيتاني. من أعوام عشنا معه ومع ذكائه اللماح وطيبته اللامتناهية. عشنا مع صدقه ونزاهته وتطلبه العميق للعدالة لكل الناس والكرامة للانسان.
وهذا ما يفتقر اليه خصمه العصفور.
لا اعرف كيف اصف حالة الارتياح التي اصابتني عندما عُين العصفور وزيرا للثقافة في حكومة حسني مبارك الأخيرة. شعرت أن كل الترهات التي كان يعظ فيها في الثقافة والاخلاق والمنشورة في الصحف العربية المختلفة، لم تكف لستر العفن المعتمل في معدنه. الانتهازي السفيه ظهر على حقيقته يوم عز الرجال ويوم كان شباب مصر يقتلون برصاص الزبانية في الميادين والساحات.
نعم المسألة شخصية تماما. المسألة تكمن في كمية الكذب والجهل التي تتيح لشخص من طينة عصفور اتهام المثقفين بتهم لم يعد يستطيع رؤيتها وتلمس معناها لالتصاقها الحميم به. هو الحاصل على جائزتي حسني مبارك ومعمر القذافي، يجد في نفسه ما يكفي من الوقاحة لقبول منصب وزير ثقافة في حكومة دوس الشباب بالخيول. والانكى انه يبرر قبوله الجائزتين بأن اللجنتين اللتين منتحتاهما تضم "كتابا كبارا".

ثم يستقيل عصفور من منصبه. ويجد، لحسن حظه، صحفا تفتح له ابوابها لنشر تبريراته التي لا تقنع طفلا في الرابعة من العمر. فهو قد اكتشف بعد عشرة ايام من توليه المنصب الخطأ الذي ارتكبه. ولديه من القحة ما يجعله لا يعتذر عن الخطأ.

ببساطة نقول ان ما جعله يستقيل هو ذات ما جعله يقبل المنصب. قراءته لموازين القوى في الشارع. لقد ظن العصفور، أن التظاهرات ستُباد بمصفحات حبيب العادلي والامن المركزي وان ابواب السلطة فتحت له أخيرا بعدما تسكع امامها طويلا. وعندما انتبه، بعد عشرة ايام الى ان كفة القوى قد مالت الى شباب الثورة، مال معها بكل صفاقة وخان النظام الذي احسن اليه واستقال.

أخيرا، اذا كانت الأوقات الصعبة هي المختبر الذي يصدر الأحكام على معادن الرجال والنساء، فقد أصدرت الثورة المصرية حكمها على عصفور منذ زمن. ولن تفيده تلك المقابلات التي ينشرها له اصدقاؤه في بعض الصحف في جعل الناس ينسون انتهازية مضمخة بالكذب والجهل. لكنها قد تنجح في الحصول له على جمهور من اشباه المثقفين والكتاب يمارس امامهم بهلوانياته الحقيرة.

حسام عيتاني